محمد متولي الشعراوي
1900
تفسير الشعراوى
ولذلك فلنترك المستقبل إلى أن يقع . لماذا ؟ . حتى لا يحيا الواحد منا في الهم والحزن قبل أن يقع . إذن فقول الحق : « وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ » هو سنة من اللّه لأن نظام الملك ينتظم بها ويحتاج إليها . فكل إنسان له هزات مع نفسه ، وقد تأتى له فترة يضعف فيها في شئ من الأشياء ، فإذا ما عرف الغير منطقة الضعف في إنسان ما ، وعرف هذا الإنسان منطقة الضعف في أخيه ، فلسوف يبدو كل الناس في نظر بعضهم بعضا ضعافا . ومن فضل اللّه أن أخفى غيب الناس عن الناس . وجعل اللّه إنسانا ما قويا فيما لا نعلم ، وذلك قويّا فيما لا نعلم ، وبذلك تسير حركة الحياة بانتظامها الذي أراده اللّه . « وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ » والحق يجتبى من الرسل ، أي بعضا من الرسل - لا كل الرسل - ليطلعهم على الغيب حتى يعطى لهم الأمان بأنهم موصولون بمن أرسلهم ، فهو سبحانه لم يرسلهم ليتخلّى عنهم ، لا ، إنهم موصولون به ؛ لذلك يطلعهم على الغيب ، وقلنا : إن الغيب أنواع : فمطلق الغيب : هو ما غاب عنك وعن غيرك . ولكنّ هناك غيبا غائبا عنك وهو معلوم لغيرك ، وهذا ليس غيبا . مثال ذلك إن ضاعت من أحدكم حافظة نقوده ، وسارقها غيب ، ومكانها غيب عن صاحبها ، لكن الذي سرقها عارف بمكانها ، إذن فهذا غيب على المسروق ، ولكنه ليس غيبا على السارق . إنه ليس غيبا مطلقا ، وهذا ما يضحك به الدجالون على السذج من الناس ، فبعض من الدجالين والمشعوذين قد يتصلون بالشيطان أو الجن ؛ ويقول للمسروق حكاية ما عن الشئ الذي سرق منه وهؤلاء المشعوذون لا يعرفون الغيب ؛ لأن الغيب المطلق هو الذي لا يعلمه أحد ، فقد استأثر به اللّه لنفسه . ومثال آخر : الأشياء الابتكارية التي يكتشفها البشر في الكون ، وكانت سرا ولكن اللّه كشف لهم تلك الأشياء ، وقد يتم اكتشافها على يد كفار أيضا . فهل قال